سحب من الدخان تغطي سماء البصرة               مصالح الأحزاب تنذر بانهيار أوضاع العراق               صفقة سرية لتعيين قائمقام الشطرة بذي قار               توافق بين واشنطن وطهران على صفقات الرئاسات في العراق               السفير البريطاني لدى بغداد يحذر من خروج الوضع في العراق عن السيطرة !               جريمة بشعة تهز البصرة .. قتل ٦ اشخاص بينهم طفل رضيع واحراق جثثهم               السفير البريطاني في بغداد : الفساد الإداري والمالي أكبر تهديد للعراق بعد "داعش"               تحالف الحشد:رئاستي الوزراء والجمهورية وفق ما تنسبه إيران              

الانتفاضة الشعبية ومؤامرة غدرها

مقالات وآراء
الأربعاء, 15 آب 2018

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الانتفاضة الشعبية ومؤامرة غدرها


عوني القلمجي

على الرغم من الحق الذي منحه الدستور لها، ورغم سلميتها الى اقصى الحدود، وسلوكها الحضاري، وصبرها على التحمل ازاء قتل ابنائها، اضافة الى مطالبها المتواضعة كتوفير الماء والكهرباء، تواجه الانتفاضة الشعبية منذ انطلاقتها ولحد يومنا الحاضر مؤامرة غادرة متعددة الاطراف، مرة عن طريق استخدام القوة العسكرية من قبل الحكومة والمليشيات المسلحة، ومرة عبر التشكيك في هويتها الوطنية، واتهامها بتنفيذ اجندات اقليمية لدفع البلاد الى حرب اهلية، ومرة وصف ابنائها بالمخربين والمندسين، او تشويه صورتها باتهامها بتخريب مؤسسات الدولة، الى اخر هذه الترهات.

ولم تكن المرجعية الدينية بعيدة عن هذه المؤامرة الغادرة، فبدلا من اصدار فتوى تطالب باستقالة رؤساء الكتل الفائزة بالتزوير، وتقديم انفسهم للقضاء بتهمة الفساد وسرقة المال العام وارتكاب الجرائم، طالب مرجعها الاعلى علي السيستاني هذه الكتل الفاسدة بالاسراع بتشكيل الحكومة الجديدة، وهو الذي نهى عن انتخابها وفق مقولة لا تجربوا المجرب، وهذا يعني منح هؤلاء الفاسدين فرصة اربع سنين اخرى ليستكملوا مخطط تدمير العراق دولة ومجتمعا، الامر الذي دعا هذه الكتل العميلة الى استغلال هذه الفرصة الذهبية للتحرك السريع لعقد الاجتماعات فيما بينهم ونبذ خلافاتهم على المناصب والاتفاق على تشكيل الحكومة الجديدة.

وكان اكثر ما يدعو للخجل والاشمئزاز مساهمة دعاة الوطنية في هذه المحاولات الغادرة. وقد نجد نموذجهم الصارخ في كتلة سائرون وزعيمها المراوغ مقتدى الصدر، فبدلا من الانضمام الى الانتفاضة والمشاركة الفعالة في تحقيق اهدافها المشروعة والمتواضعة، ارسل الصدر وفودا لاقناع المتظاهرين بالعودة الى بيوتهم وتولي كتلته تلبية مطالبهم بدلا عنهم، وجراء رفض استقبال وفوده اكتفى باصدار بيانات خجولة تضمنت كلمات فارغة حول تاييد مطالب الانتفاضة، شبيهة ببيانات من سبقه من الفاسدين، مثل بيان نوري المالكي وهادي العامري واياد علاوي ومن على شاكلتهم.

الاستطراد الطويل هنا له وظيفة، فكثير من الناس وعدد كبير من السياسيين والمثقفين لم ينتبهوا بالقدر الكافي الى هذه المؤامرة المتعددة الاطراف، واعتبارها السبب الرئيسي الذي حال دون تحقيق الانتفاضة لاي مطلب من مطالبها، الامر الذي فسح المجال للبحث عن اسباب اخرى استندت الى مقولات جاهزة ومعلبة، من قبيل خلو الانتفاضة من قيادات وشخصيات معروفة، أو ضعف تنظيماتها، أو عدم وجود برنامج سياسي تهتدي به، ونسوا او تناسوا ان مثل هذه الاسباب، على اهميتها، قد واجهت انتفاضات شعبية عديدة وفي بلدان مختلفة وتمكنت خلال مسيرتها النضالية من التغلب عليها، وانتهت الى تحقيق مطالبها كاملة غير منقوصة، فالانتفاضات الشعبية ليست تظاهرة سلمية للدفاع عن حقوق الانسان او الحيوان، او الحفاظ على البيئة، تبدا وتنتهي في وقت محدد سلفا، وانما هي فعل ثوري وكفاحي قد يمتد الى وقت طويل، لا بل هي حرب وطنية كبيره ضد قوى غاشمة او حكومة عميلة او دكتاتورية، لا تتردد في الدفاع عن مصالحها باستخدام القوة بكل اشكالها العنيفة، ومعركة وطنية كهذه لابد وان تواجه مثل هذه العقبات واحيانا ترافقها اخفاقات او تراجعات او حتى هزيمة هنا واخرى هناك.

لكن مهلا، فحين نصف حالة الانتفاضة والصعوبات التي تعترضها لا نعني اطلاقا التلميح بهزيمة الانتفاضة، وانما المقصود العكس تماما، ففي الوقت الذي عجزت فيه الانتفاضة عن تحقيق مطالبها جراء تلك المؤامرات، فهي قد حققت الكثير من النجاحات التي تؤهلها لمواصلة مسيرتها مهما طال الزمن وغلت التضحيات، فبالاضافة الى كسرها حاجز الخوف وتحدي كل هذه القوى المعادية، فقد احبطت مشروع الاحتلال الساعي الى اذلال العراقيين واجبارهم على الخنوع والاستسلام للامر الواقع، كما احبطت مشروع ملالي طهران في جعل العراق حديقتهم الامامية ونقطة انطلاقتهم للهيمنة على المنطقة العربية، او ما اطلق عليه مشروع الهلال الشيعي، ولنا في شعارات المنتفضين المعادية لايران ولولاية الفقيه، والتي توجت بشعار "ايران بره بره وبغداد تبقى حرة" خير دليل على ذلك.

ولكن هذا ليس كل شيء، فهذه الانتفاضة على وجه الخصوص قد شكلت ظاهرة نضالية متميزة فرضت نفسها بقوة على مسيرة الصراع ضد المحتل وعملائه في المنطقة الخضراء، كما شكلت ايضا رافدا قويا للمعارضة الوطنية، واداة تفجير لكل الامكانات الثورية والابداعية لدى الجماهير، واكدت على وحدة الشعب العراقي، ورسخت مفاهيم الولاء للوطن وليس للطائفة او العرق، وهذا يعني هدم كل البناء الذي اقامه المحتل طيلة هذه السنين، والذي كان قوامه اشاعة روح الطائفية والعنصرية بين الناس، ونشر الجهل والامية، ليسهل عليه تكريس مشروعه الاحتلالي لعقود طويلة من الزمن، خصوصا وان شرارة الانتفاضة قد انطلقت من المدن الجنوبية وتردد صداها في المدن الاخرى.

بمعنى اخر، وباختصار شديد، فان امكانية انتصار هذه الانتفاضة، او الانتفاضة التي ستلد من رحمها، امكانية قابلة للتحقيق طال الزمن ام قصر، خاصة وان أطراف عملية الاحتلال السياسية قد وفرت كل المبررات لانتشارهذه الافكار الوطنية والثورية، بسبب سقوطها السياسي والاخلاقي المدوي، واصرارها على مواصلة العبث بشؤون البلاد والعباد، وعدم الكف عن ارتكاب الجرائم والسرقات، اضافة الى اصرارها على رفض اي إصلاح يمس ولو شعرة من راسها، او يهدد مكسبا من مكاسبها، او يهز ركنا في مواقعها، الامر الذي سيدفع الناس الى الدخول في رحاب الانتفاضة افواجا افواجا.

بالمقابل، تجري محاولات جادة لتوحيد اللجان التنسيقية تحت قيادة موحدة، وتطوير شعاراتها ومطالبها الخدمية الى شعارات ومطالب سياسية، من قبيل انهاء نظام المحاصصة الطائفية، ومحاسبة الفاسدين، وتطهير القضاء، وتعديل الدستور، والتخلص من الوجود والهيمنة، سواء كانت امريكية او ايرانية.

الاهم من ذلك كله، فابناء الانتفاضة قد توصلوا فعلا الى قناعات راسخة بان تحقيق الاصلاحات لا يتحقق عبر المحتل، ولا عملائه في السلطة، ولا عبر البرلمان، ولا بالطرق السلمية لوحدها، فقد اثبتت لهم تجارب سنين الانتفاضة العجاف هذه الحقيقة، كما ادركوا ايضا بان حكومة المالكي وخلفه العبادي لم تندفع جزافا ضد الانتفاضات رغم سلميتها وتحملها كافة النتائج السيئة التي تترتب على ذلك، ومنها افتضاح امر الديمقراطية المزعومة الى الدرجة التي يصعب بعدها التسترعليها باي ذريعة مهما كان شكلها او نوعها، وانما كان هذا الاندفاع جزء من مخطط تدمير البلاد والعباد وحرمان المواطن من ابسط مقومات الحياة من اجل اذلاله ومن ثم استعباده.

هذه القناعات التي تولدت لديهم صحيحة جدا، والا أما كان من الافضل لهذه الحكومة ستر عورتها واستغلال مثل هذه المناسبات عبر حماية المتظاهرين والاستجابة لمطالبهم ليقولوا للعالم وشعوبه شاهدوا العراق الجديد والديمقراطية التي ينعم بها الشعب العراقي، وكيف تعاملت الحكومة مع الانتفاضة، على خلاف الطريقة العنيفة التي تعاملت بها حكومات عربية اخرى مع شعوبها؟ واذا كانوا اغبياء فعلا، فماذا عن المحتل الذي هو الاخر بحاجة الى مثل هذه الفرصة لنفي كذبته حول الديمقراطية في العراق؟ الم يكن بامكانه اجبار الحكومة على حماية المتظاهرين والاستجابة لمطالب الناس او بعضها، واتخاذ خطوات سريعة بطرد بعض المفسدين وتشكيل محكمة صورية لمحاسبتهم علنا؟ بل اليس بامكانه اقصاء هذه الحكومة باي وسيلة واستبدالها بحكومة اخرى اقل سوءا واقل عمالة لامتصاص نقمة الناس؟ ام ان ما حدث كان امرا محسوبا بدقة ومخطط له ومع سبق الاصرار والترصد؟

نعم يا ابناء الانتفاضة الابطال، لا اصلاح يتحقق، لا من خلال الحكومة الحالية، ولا من خلال الحكومة القادمة، ولا عبر البرلمان، ولا باللجوء الى الدستور او المحكمة الاتحادية او مجلس القضاء، كون جميع هذه المفردات هي نتاج عملية الاحتلال السياسية التي جرى بناؤها وتكوينها والية عملها لخدمة المحتل وعملائه، وليس لخدمة العراق واهله، وبالتالي لا بديل للانتفاضة سوى النضال بكافة الوسائل المتاحة لاسقاط هذه العملية السياسية الطائفية المقيتة، بحكومتها العميلة وبرلمانها الفاسد ودستورها الملغوم وانتخاباتها المزورة وقضائها المرتشي، فالتمسك بشعار سلمية للابد لم تجن منه الانتفاضات المتعددة سوى الخيبة تلو الاخرى، كما لم تجن ايضا اي مكسب من ادخال بعض التزويقات على مبدا السلمية، من قبيل الدعوات الى الاضراب العام مرة، والى الاعتصام المدني مرة اخرى، مثلما فشلت الطرق السلمية الاخرى كالانتخابات، فقد جربها العراقيون مرات عديدة، وكان اخرها الانتخابات التي جرت وكيف افتضح امرها على الملا، وكيف فشل اطرافها في الدفاع عنها لحجم التزوير الهائل في نتائجها، الامر الذي اضطر الحكومة الى عزل جميع اعضاء المفوضية واستبدالهم بقضاة كلفوا بالاشراف على اعادة فرز الاصوات يدويا.

نعم يا ابناء الانتفاضة الاشاوس، هذه الوسيلة السلمية والاصرار عليها، رغم اهميتها، قد ولدت شعورا بالامان لدى اطراف العملية السياسية، وشجعتها على الاستهانة بالانتفاضة وممارسة العنف ضدها، وهو الذي دفع حكومة العبادي الى الاستقواء على المنتفضين واستخدام القوة العسكرية ضدهم، مثلما فعل ذلك من قبل، وانهى الانتفاضة التي كادت ان تحقق الانتصار النهائي حين اقتحم ابناؤها المنطقة الخضراء وهروب وزرائها ونوابها كالجرذان المذعورة، وبالتالي فان التفكير بالوسائل الاخرى ومنها اللجوء الى حق الدفاع عن النفس، كون هذا الحق اقرته الشرائع السماوية والوضعية. اما ما يروج له الاعلام الامريكي والحكومي وطابورهم الخامس، من كتاب وصحفيين وغيرهم، بان مثل هذا الفعل يعد دعوة للاقتتال بين فئات الشعب العراقي، فهذا الادعاء ليس سوى واحد من وسائل الخداع والتضليل لانتزاع هذا الحق المشروع.

كل ما تحتاجه الانتفاضة هو اعادة النظر في مسيرتها، واجراء مراجعة شاملة، لا تقتصر على ادارة الانتفاضة اوترتيب اولوياتها، او تحديد مواعيد تجمعاتها، او اماكن تواجدها في هذه الساحة او تلك فحسب، وانما تشمل مجمل المفاهيم والخطط والاساليب التي استندت اليها وادت الى تراجعها وفشلها، فمهمة كبيرة من هذا الوزن لن تتحقق بشكل تلقائي، او بانتظار الصدفة، او بظهور منقذ او مخلص، حتى وان توفرت اسباب النجاح او عناصر القوة.

شعبنا الذي ينتظر الخلاص قد وضع تقته بكم فانقذوه من محنته باسقاط هؤلاء الذي افسدوا ارض العراق الطاهرة، وساهموا في مخطط تدمير البلد دولة ومجتمع، وكاتب هذه السطور لا يشك لحظة واحدة بان هذه الانتفاضة او التي ستلد من رحمها ستحقق هذه الامنيات المشروعة لشعبنا المظلوم عاجلا ام اجلا.

12/8/2018

 

الاحد 1 ذو الحجة 1439 / 12 آب 2018

أضف تعليق

* الاسم:
البريد الإلكتروني:
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
كود التحقق من الشخصية:
* أرقام و أحرف كود التحقق:
الرجاء كتابة الأرقام و الأحرف الظاهرة في الصورة